كتب سام ميدنيك، في تقريره، أن عدد الفلسطينيين الذين لقوا حتفهم داخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية قفز إلى نحو مئة حالة منذ اندلاع الحرب على غزة، وفق تقرير حديث أصدرته منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل. أشار التقرير إلى أن العنف المنهجي وحرمان الأسرى من الرعاية الطبية ساهما بشكل مباشر في عدد كبير من هذه الوفيات، في صورة ترسم ملامح نظام احتجاز فقد قيوده الأخلاقية والمهنية.

 

نقلت أسوشيتد برس أن نتائج تحقيقاتها الميدانية انسجمت مع ما ورد في تقرير المنظمة الحقوقية، بعد أن أجرت مقابلات مع أكثر من اثني عشر شخصًا، شملوا حارسًا سابقًا وممرضة سابقة في أحد السجون، وطبيبًا إسرائيليًا عالج أسرى نُقلوا إلى المستشفى وهم يعانون من سوء تغذية، إلى جانب أسرى سابقين وأقاربهم ومحامين وجماعات حقوقية. راجعت الوكالة بيانات متاحة وتقارير تشريح جثث، لتخرج بصورة قاتمة عن أوضاع الاحتجاز.


سجون تُدار بالعنف والخوف

 

روى حارس سابق في سجن عسكري سيئ السمعة، تحدث بشرط عدم كشف هويته خوفًا من الانتقام، أن الأسرى الفلسطينيين تعرضوا بشكل روتيني للتكبيل بالسلاسل والضرب بالأيدي والهراوات. وصف الحارس السجن بأنه أشبه بـ«مقبرة»، لكثرة من يموتون داخله. قال إن القيود لم تفارق أذرع وأرجل الأسرى، وإن الحراس انهالوا عليهم بالضرب إذا تحركوا أو تحدثوا، ما دفع كثيرين إلى التبول أو التبرز على أنفسهم بدل طلب الذهاب إلى المرحاض.


أوضح الحارس أنه شاهد ذات صباح جثة أسرى فلسطيني ملقاة في ساحة السجن، دون أن يسارع أحد للتحقق مما جرى، وكأن الموت صار جزءًا من الروتين اليومي. اعترف بأنه شارك لاحقًا في ضرب الأسرى، قبل أن تُركّب كاميرات مراقبة حدّت جزئيًا من الانتهاكات، بحسب قوله.


أرقام صادمة ونظام احتجاز متضخم

 

وثّقت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان 98 وفاة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، بينها 27 حالة في 2023، و50 في 2024، و21 منذ مطلع هذا العام، مع تسجيل أحدث وفاة في الثاني من نوفمبر. رجّحت المنظمة أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير، في ظل رفض السلطات الإسرائيلية تقديم معلومات عن مئات الفلسطينيين الذين احتجزوا خلال الحرب.

 

قبل الحرب، لم يتجاوز عدد الوفيات داخل السجون الإسرائيلية ثلاثين حالة خلال عقد كامل. بعد اندلاعها، تضاعف عدد الأسرى إلى نحو 11 ألفًا، معظمهم من غزة والضفة الغربية، بينما ارتفع عدد الوفيات بوتيرة أسرع، وفق بيانات المنظمة. قال ناجي عباس، أحد مديري المنظمة، إن هذا المعدل «يكشف نظامًا فقد كل أشكال الضبط الأخلاقي والمهني».

 

إهمال طبي وشهادات من الداخل

 

تحدثت ممرضة سابقة في سجن سديه تيمان عن إصابات خطيرة سببتها القيود الحديدية، وصلت في بعض الحالات إلى بتر أطراف. قالت إنها غادرت عملها لأنها لم تحتمل المعاملة القاسية للمعتقلين، مؤكدة أن الطاقم كان يتداول أخبار وفيات داخل السجن.

 

أظهرت تقارير تشريح اطّلعت عليها الوكالة نمطًا متكررًا من الاعتداء الجسدي والإهمال الطبي. في إحدى الحالات، أشار تقرير إلى أن محمد حسين علي، البالغ 45 عامًا، عانى من نزيف دماغي نتيجة اعتداء جسدي أثناء احتجازه في مركز كيشون، مع دلائل على استخدام مفرط للقيود. أكدت عائلته أنه دخل السجن بصحة جيدة، وفارق الحياة خلال أسبوع واحد. قالت زوجته إن طفلتهما ذات العامين ظلت تنادي أباها من النافذة حتى توقفت عن السؤال.

 

سجّل التقرير أيضًا وفاة فتى في السابعة عشرة نتيجة الجوع، وفق المنظمة الحقوقية. لاحقًا، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارًا يلزم بتحسين نوعية وكميات الطعام المقدمة للأسرى، وقالت جماعات حقوقية إن الوضع شهد تحسنًا طفيفًا.

 

من جهتها، قالت مصلحة السجون الإسرائيلية إنها تعمل وفق القانون، وامتنعت عن التعليق على عدد الوفيات، بينما أقرت قيادة الجيش بوقوع وفيات بين الاسرى، لكنها شككت في دقة الأرقام. أشار محامون إلى أن التحقيقات الجدية نادرة، ما يغذي ثقافة الإفلات من العقاب.

 

تختتم هذه الشهادات صورة قاتمة عن واقع الاسر، حيث يمتزج العنف بالإهمال، وتتحول السجون إلى مساحات مغلقة لا يصلها الضوء إلا عبر روايات الناجين وتقارير الحقوقيين، في انتظار مساءلة حقيقية تضع حدًا لهذا المسار.

 

https://apnews.com/article/israel-prison-deaths-palestinians-de4bf5ba8b06554af4498ccdf1e53b0f